ابن حزم

95

رسائل ابن حزم الأندلسي

اختلفت « 1 » المعاني في اللغة العربية ، وضع العلماء كتب النحو ، فرفعوا إشكالا عظيما ، وكان ذلك معينا على الفهم لكلام اللّه عز وجل ، وكلام نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان من جهل ذلك ناقص الفهم عن ربه تعالى ، فكان هذا من فعل العلماء حسنا وموجبا لهم أجرا . وكذلك القول في تواليف العلماء ككتب اللغة ، وكذلك القول أيضا في تواليف كتب الفقه « 2 » ؛ فإن السلف الصالح غنوا عن ذلك كله بما أبانهم اللّه به من الفضل ومشاهدة النبوة ، وكان من بعدهم فقراء إلى ذلك كله ، يرى ذلك حسا ويعلم نقص من لم يطالع هذه العلوم ولم يقرأ هذه الكتب وأنه قريب النسبة من البهائم ، وكذلك هذا العلم فإن من جهله خفي عليه بناء كلام اللّه عز وجل « 3 » مع كلام نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وجاز عليه الشغب جوازا لا يفرق بينه وبين الحق ، ولم يعلم دينه إلا تقليدا ، والتقليد مذموم ، وبالحرى إن سلم من الحيرة ، نعوذ بالله منها . فلهذا ولما « 4 » نذكره بعد هذا ، إن شاء اللّه تعالى ، وجب البدار إلى تأليف هذا العلم ، والتعب في شرحه وبسطه ، بحول اللّه وقوته ، فنقول وبالله تعالى نستعين : إن جميع الأشياء التي أحدثها الأول ، الذي لا أول على الإطلاق سواه ، وقسمها الواحد الذي لا واحد على التصحيح حاشاه ، واخترعها الخالق الذي لا خالق على الحقيقة إلا إياه ، فإن مراتبها في وجوه البيان أربعة ، لا خامس لها أصلا ومتى نقص « 5 » منها جزء واحد اختل من البيان بمقدار ذلك النقص . فأول ذلك كون الأشياء الموجودات حقا في أنفسها ، فإنها إذا كانت حقا فقد أمكنت استبانتها ، وإن لم يكن لها مستبين ، حينئذ ، موجود ، فهذه أولى مراتب البيان ؛ إذ ما لم يكن موجودا فلا سبيل إلى استبانته . والوجه الثاني : بيانها عند من استبانها وانتقال أشكالها وصفاتها إلى نفسه ،

--> ( 1 ) م : تختلف . ( 2 ) س : وكذلك القول في تواليف كتب العلماء في اللغة والفقه . ( 3 ) م : تعالى ( وكذلك تتبادل اللفظتان في م س على نحو شبه مطرد ) . ( 4 ) س : وما . ( 5 ) س : وإن تناقص .